دور الشعب في إزالة النظام الدكتاتوري
2026-01-20 09:24:24 Written by Eritrea Al-Touq Published in المقالات العربية Read 40 timesفي كل تجارب الشعوب التي واجهت أنظمة استبدادية مغلقة، مثل الحالة الإرترية، كان العامل الحاسم في نهاية الطريق هو إرادة الشعب. فمهما امتلكت الديكتاتوريات من أجهزة أمن قمعية أو تميزت بممارسات وحشية، أو قدرة وتفنّن على القمع، يبقى الشعب هو القوة التي لا يمكن إخمادها حين تتوحد رؤيته وتتعالى مطالبه. وينطبق هذا الأمر اليوم على الحالة الارترية، حيث وصل المجتمع إلى نقطة لم يعد فيها استمرار الوضع القائم مقبولا، ولا السكوت عنه ممكنًا، ولا الانقسام والعمل كلّ بمفرده مبرراً.
من الخطأ الاعتقاد بأن سقوط النظام الديكتاتوري في إرتريا يمكن أن يتحقق فقط عبر المعارضة السياسية من الخارج أو الضغوط الدولية، فالتجارب العالمية تكشف أن المجتمعات نفسها هي محرك التغيير؛ التغيير الذي حدث في تونس لإزالة حكم زين العابدين بن علي، ومصر لإزالة حكم مبارك، والسودان لإزالة حكم البشير، خير دليل على ذلك . وإن وعي الشعب وتحركه و رفضه للنظام، هو ما يفتح الطريق أمام أي تغيير سياسي جاد وحقيقي.
وفي إرتريا، ورغم طول سنوات القمع والظلم ما زالت الروح الوطنية التي تجسدت في حرب التحرير من الاستعمار البغيض حاضرة في وجدان الشعب الارتري، هذه الروح نفسها هي القادرة اليوم أيضا على كسر حاجز الخوف، وإعادة بناء الثقة، ودفع الجميع نحو تحوّل ديمقراطي وبناء دولة دستورية .
نجح النظام الإرتري المستبد عبر ثلاثة عقود في خلق بيئة قائمة على الخوف وعدم الثقة، و شقّ الصف الوطني، وتمزيق النسيج الاجتماعي، ليس بين الشعب فقط بل حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، وأصبح المواطن يخشى التعبير، ويخشى السؤال عن أبسط الأشياء التي تعني حياته اليومية، بل و يخشى حتى التفكير خارج الأسوار المفروضة عليه وهذا إن سُمح له بالتفكير!! ؛ لأن التفكير والإبداع والتعبير تعتبر من المحرمات التي يعاقب عليها القانون.
لكن الأنظمة القمعية، مهما بدت قوية، تعتمد على استمرار الخوف والرعب في أوساط المواطنين، فإذا كسر الشعب حاجز الخوف ولو جزئيا تبدأ شرعية النظام بالتآكل بسرعة. وهذه المهمة ليست نظرية بل تبدأ بخطوات بسيطة وهي :
- نشر الوعي في أوساط الشعب وخاصة بين قوى التغيير الحي من فئة الشباب.
- العمل على تآكل شرعية وجود النظام من خلال شق أركانه.
- دعم واحتضان المنشقين عنه.
- حماية الشعب بعضهم البعض عبر شبكات تضامن شعبية، لأنّه حين يشعر المواطن أنه ليس وحده يبدأ الخوف بالتراجع.
التنوع الإرتري كان من أعمدة قوة المجتمع، لكنه تحول بفعل النظام إلى ساحة شكوك وصراعات صامتة وخاصة بين فئة الشباب في المنصات الاجتماعية؛ غير أن نجاح أي مشروع لمواجهة النظام الديكتاتوري يقتضي بناء وحدة وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات، وترميم ما تصدّع من وحدة الشعب بفعل ممارسات النظام. وعلى الشعب أن يدرك أن الانقسام هو أعظم ما يخدم النظام. لذلك التمسك بالوحدة هو شرط لا مفر منه في عملية التغيير.
من غير الممكن الحديث عن دور الشعب دون إبراز الدور المركزي للمرأة الارترية، فكما كانت شريكة في التحرير، هي اليوم شريكة في التحرر من الاستبداد.
إشراك النساء في العمل السياسي والاجتماعي ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لأن نصف المجتمع لا يمكن تهميشه؛ ثم أننا نطمح إلى ثورة تغيير ناجحة أو تحوّل ديمقراطي متوازن وناجح .
وجود المرأة في قيادة مبادرات التغيير يعزّز عملية التحول الديمقراطي، ويخلق مساحات أوسع للتواصل داخل المجتمع.
ولا ينبغي اغفال الدور المؤثر للإرتريين في الخارج في مسار إزالة النظام، بما يملكونه من إمكانيات اقتصادية، وحرية حركة، و منابر إعلامية. إن تنظيم هذا التأثير ضمن إطار وطني مسؤول كفيل بتحويله إلى قوة ضغط فاعلة تتجاوز المزايدات الشعبوية وتسهم في بناء علاقات دولية تخدم مشروع التغيير.
إن عملية إسقاط النظام الديكتاتوري في إرتريا ليست مهمة فئة أو مجتمع معين دون الآخر، ولا عملية يمكن فرضها من الخارج، بل هي مسؤولية وطنية تقع على عاتق شعب أدرك أن عهد الاستبداد قد ولّى وأن مستقبل الوطن لا يمكن أن يبقى خاضعاً لحكم فرد أو مجموعة معزولة أو زمرة ضالة.
إن وحدة الشعب والوقوف صفاً واحداً رجالاً ونساءً، شباباً وشيوخاً، في الداخل ودول المهجر هي الشرط الأساسي لإسقاط النظام؛ لأنها تُفقد النظام الاستبدادي أقوى أدواته الأساسية :العزلة والخوف والسيطرة على الإنسان. عندها تبدأ إرتريا بالانتقال من دولة يحكمها القمع إلى وطن يحكمه أبناؤه بإرادتهم الحرة وعلى أساس الشراكة والحرية و المسؤولية الوطنية .