بين الخوف والخنوع لماذا تسمح الجماهير للاستبداد أن يمتطي ظهورها؟
2026-04-04 17:14:51 Written by Eritrea Al Touq Published in المقالات العربية Read 64 times ليس الاستبداد مجرد نظام سياسي مفروض بالقوة وحدها، بل هو علاقة مركّبة بين حاكم يفرض سلطته وجماهير تسمح – بصمتِها أو خوفِها أو تردٌّدِها – باستمرار تلك السلطة. فالأنظمة الاستبدادية لا تعيش فقط بالقمع، بل تتغذّى على الخنوع الجماعيّ، وعلى الانحناءِ الطويلِ الذي يتحّول مع الزمن إلى عادةٍ نفسية واجتماعية. ومن المؤلمِ أنّ الجماهير، وهي الضحية الأولى للاستبداد، تتحول أحياناً إلى شريك غير مباشر في إطالة عمره، عندما تختار الصمتَ، أو تبرّر القمعَ، أو تنكفئ إلى همومِها الفردية، تاركةً المجال مفتوحاً أمام السلطة لتزدادَ تغوّلاً.
إن الخوفَ مفهومٌ في بداياتِه؛ فالسلطة الاستبدادية تُلوّح بالعقاب، وتستعرض قوّتها، وتضربُ الأمثلة القاسية لمن يعترض. لكن ما ليس مفهوماً هو أن يتحّول هذا الخوف إلى خضوعٍ دائم، وإلى قبولٍ ضمنيّ بالذلّ. فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمةَ الاستبداديةَ، مهما بلغت قوّتها، تبقى أقل عدداً من الجماهير التي تحكمها. ومع ذلك، تنجح في السيطرة لأنّ الجماهير تتصرف كأفراد متفرّقين، كلٌّ يخشى أن يكون أول من يرفع صوته. وهنا يتحّول الخوف من رد فعل طبيعيّ إلى عذرٍ دائمٍ، يبرر الانحناءَ ويطيل عمرَ الاستبداد؛ كما هو الحال في إرتريا.
العتاب هنا موجَّه إلى شعبنا الذي يعتقد أن الصمت يحميه؛ فالصمت لا يحمي أحداً، بل يمنح السلطةَ مساحة أكبر لتوسيع قمعها. كل خطوة إلى الوراء من المجتمع تُقابلها خطوتان إلى الأمام من الاستبداد. وكل تنازل صغير يُصبح سابقة تُبنى عليها تنازلات أكبر. وعندما تعتاد الجماهير على هذا المنطق، يتحول الخضوع إلى ثقافة، ويصبح الاعتراض استثناءً يُنظر إليه بشك أو خوف. وهكذا، لا يحتاج الاستبداد إلى فرض كل شيء بالقوة؛ فالجماهير نفسها تتكفل بتقييد ذاتها.
التأنيب هنا ليس لإدانة شعبنا، بل لتذكيره بمسؤوليته التاريخية. فالشعوب التي تنحني طويلاً تُحمّل أجيالها القادمة عبء الاستبداد. وحين يسأل الأبناء: لماذا ورثنا الخوف؟ لماذا نشأنا بلا حرية؟ سيكون الجواب المؤلم أن الصمتَ كان أطول من اللازم. إن الخنوعَ لا يُبقي الأمور على حالها، بل يجعلها أسوأ. فالسلطة التي لا تُواجه تتغوّل، والقمع الذي لا يُقاوَم يتمّدد، والحقوق التي لا يُطالَب بها تضيع.
لكن التحريض هنا ليس دعوة إلى تهور، بل إلى كرامة؛ فالجماهير لا تحتاج إلى قوة خارقة، بل إلى استعادة ثقتها بنفسها. أول خطوة في ذلك هي الاعتراف بأن الخوف، مهما كان مبرراً، لا يمكن أن يكون أساساً للحياة العامة. المجتمع الذي يحكمه الخوف يتحول إلى مجتمعٍ مشلول، لا يبدع ولا يتقدم. لذلك، على الجماهير أن تدركَ أن استمرار الصمت هو خيار، وأن كسر هذا الخيار يبدأ بأفعال بسيطة: كلمة حق، موقف تضامنيّ، رفض علنيّ للظلم، دعم للمظلومين. هذه الأفعال الصغيرة تتراكم لتصنع تحولاً كبيراً.
الأنظمة الاستبدادية تراهن دائماً على انقسام الجماهير. فهي تزرع الشكوك بين المواطنين، وتدفعهم إلى الخوف من بعضهم البعض. لكن ما يثير التأنيب أن الجماهير تنساق أحياناً وراء هذه الانقسامات، فتتناحر فيما بينها، بينما يبقى الاستبداد المستفيد الأكبر. عندما ينشغل الناس بخلافاتهم الصغيرة، ينسون أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب نظام دستوري مؤسّساتي يحمي الجميع. وهنا يصبح التحريض موجهاً إلى تجاوز هذه الانقسامات، وإدراك أن الوحدة ليست شعاراً بل ضرورة. إنّ الواقع المرير الذي يعيشه شعبنا، من قمعٍ منظّم، وغياب الحرّيات والحقوق الأساسية، إلى جانب سياسة تفريغ الوطن من الطاقات الشبابية الفاعلة، يتطلّب تضافر الجهود من شعبنا؛ وذلك بكسر حاجز الخوف، عبر كل الوسائل النضالية المشروعة.
إن بناء نظام دستوري مؤسساتي يبدأ من رفض الخضوع. فالدستور ليس وثيقة تُمنح من الحاكم، بل نتيجة نضال مجتمعيّ يفرض حدود السلطة. والمؤسسات لا تُبنى فوق جماهير خائفة، بل فوق مجتمع واعٍ بحقوقه. لذلك، فإن الطريق إلى دولة القانون يمر عبر استعادة الكرامة الجماعية. وهذا يتطلب شجاعة تدريجية، لا قفزات مفاجئة. فكل خطوة نحو التنظيم، وكل مبادرة تضامن، وكل احتجاج سلمي، هي لُبنة في بناء نظام بديل.
من المؤلمِ أن ترى شعوباً تمتلك كل مقومات القوة البشرية، لكنها تعيش في ظل أنظمة ضعيفة أخلاقياً وسياسياً، فقط لأن الخوف يقيدها. ومن المؤلم أكثر أن يتحول هذا الخوف إلى تبرير دائم، من شاكلة: ”ليس الوقت مناسباً، أو “الظروف صعبة”، أو “القوة ليست معنا”. هذه العبارات، رغم واقعيتها الظاهرة، تصبح مع الزمن قيوداً نفسية تُبقي المجتمع في دائرة الخضوع. والحقيقة أن الوقتَ لا يصبح مناسباً إلا عندما تصنعه الجماهير نفسها.
في النهاية، الاستبداد لا يمتطي ظهور الشعوب بالقوة وحدها، بل بقدر ما تسمح له هذه الشعوب. وعندما تقرر الجماهير أن تنحني أقل، وأن ترفع رأسها ولو قليلاً، يبدأ ميزان القوة بالتغيّر. إن العتاب والتأنيب هنا ليسا غايةً، بل وسيلة لإيقاظ الشعور بالمسؤولية. فالجماهير التي تكسر خوفَها، وتستعيد ثقتها، وتنظم نفسها حول مشروع دستوري مؤسساتي، تستطيع أن تنتقل من موقع الضحية إلى موقع الفاعل. وعندها فقط يسقط الاستبداد، ليس لأنه أصبح أضعف، بل لأنّ الجماهير لم تعد تقبل أن تكون جسراً يُعبر فوقه